Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

 

أفل نجمه سريعاً

لماذا اختفى الطيب (سيخة)..؟؟

 

خالد ابواحمد

من خلال متابعاتي الدقيقة لما جرى في المؤتمر القومي الثاني للحزب الحاكم في السودان من مداولات ومن خطابات وتوصيات كان ختامه المؤتمر الصحفي لرئيسه عمر (البشير) سأتناول بالتحليل ما دار فيه وما خرج به من توصيات، لكن ثمة سؤال ألح عليّ وأنا أتابع اليوم الأخير للمؤتمر فوددت أن أشرك معي القارئ الكريم في الإجابة على السؤال الطارئ.. لماذا اختفى الطيب إبراهيم محمد خير (الطيب سيخة) ولماذا أفل نجمه وهو أحد قادة الحزب الحاكم والمستشار الأمني للرئيس، ومركز القُوى الكبير وسط العسكريين والعاملين في الأجهزة الأمنية للنظام الحاكم.

 

وكما هو معلوم بأن الطيب (سيخة) المتخرج في كلية الطب جامعة الخرطوم استمد لقبه من الحراك العنفي للإسلاميين في القطاعات الطلابية بجامعة الخرطوم، أكثر (الإسلاميين) الذين سلطت عليهم الأضواء اللامعة، ساحباً البساط من تحت أرجل كل الذين شاركوه تنفيذ انقلاب الثلاثين من يونيو، وزيراً لمجلس الوزراء ثم والياً لولاية دارفور ، وزيراً للإعلام، ثم وزيراُ للعمل والإصلاح الإداري، ثم وزيراً للتخطيط الاجتماعي، ثم أُعيد تعيينه في منصب مستشار الرئيس للشؤون الأمنية المنصب الذي يعرف لجميع العاملين في دوائر الحكومة من الإسلاميين أنه منصب شرفي ليس إلا وليس له أي علاقة بالواقع الأمني الذي يجري في البلاد لكن المهم جداً معرفته هو أن النظام الحاكم ورئيس الجمهورية شخصياً لا يمكن ألبته الاستغناء عن شخصية الطيب إبراهيم محمد خير، تماماً مثل شخصية وزير الدفاع الحالي عبد الرحيم محمد حسين لما للرجلين من أهمية ليس لها صلة بالعمل التنفيذي في دولاب الدولة لكن للأسرار الخطيرة والكثيرة التي في جعبة كل منهما فسنين الحكم الـ 18 عاماً التي حكم فيها (الإسلاميين) السودان اندلعت فيها حروباً كثيرة في جنوب السودان وشرقه، وحرب دارفور لا زالت ماثلة للعيان وآثارها تعصف بمستقبل السودان، وكذلك خاض النظام حروباً من نوع آخر مع كل من يوغندا وأريتريا وفي البدايات مع السعودية ومصر، وبالطبع فإن مصر بعد فشل محاولة اغتيال رئيسها في أديس أبابا قد استفادت أيما استفادة من هذا الكرت وجعلت السودان كله بتاريخه وجغرافيته وإمكانياته الهائلة لعبة في يديها تحركه كيفما شاءت، فكل هذه الأحداث الجسام فيها ما فيها من أسرار ومن ملفات كلها بحوزة الرجلين.

دور استراتيجي

 

الطيب (سيخة)  معلوم هو أحد الرجال المُهمين في تنفيذ الانقلاب المشئوم صبيحة 30 يونيو 1989م، وقد أدى دوراً استراتيجياً في تثبيت أركانه،  فهو يمتاز بقوة التنظيم والترتيب وسرعة البديهة والحنكة الكبيرة في المناورة وقيادة الخلايا الصغيرة والدقيقة وقد أعطاه الله تعالى السرعة في الالتصاق بالناس وقوة المنطق والإقناع والأريحية والسرعة الفائقة في معرفة الأشخاص وتاريخهم وتعلم لغات الآخرين والتعلق بهم، والطيب سيخة يمتلك ذاكرة قوية تمكنه بسهولة من الخروج من المآزق التي تصادفه في حياته، الطيب سيخة يمتلك عاطفة جياشة وقد ظهرت في قصائده التي كتبها  في أوج عمله التنظيمي في نهاية السبعينات وقد كتب القصيدة المشهورة عند الإسلاميين:

 

إلى أختي ..إلى ذاتي..إلى روحي..إلى محبوبتي أنتي

إلى من قلبها بالنور يغمرني ويأمرني بأن أتلو من القرآن آياتي... إلخ

 

ولكن هذه العاطفة الجياشة أدخلته في مشاكل كثيرة منها ما هو شخصي وسياسي وأمني جعلته في موقف صعب مع المقربين منه، فكاتب هذا المقال نشر مقالة كبيرة بصحيفة "ألوان" عام 1994بعنوان (رسالة خاصة للطيب إبراهيم محمد خير) انتقده فيها نقداً شديداً وقاسياً بسبب المتغيرات الكثيرة التي حدثت في حياته وقد كان كثير المفاخرة بأنه من صلب الشعب منه وإليه وذلك عندما كان يسكن في منطقة (مرزوق) الشعبية شمال أمدرمان، وكان لا يأكل إلا أكل عامة أهل السودان مثل (الكسرة والقرُاصة والبامية الفرك) وعندما رحل إلى بيت(الحكومة) في منطقة النقل النهري في مقابل القصر الجمهوري من جهة الخرطوم بحري بدأت حياة الرجل تتغير على نحو غريب لا يشبه القدوة التي اشتهر بها بين جيل الشباب في معاني القوة والشجاعة والتدين والتميز والزهد والبعد عن شهوات النفس وحب المطامع.

 

هذا المقال الذي كتبته تسبب له في مشاكل كثيرة، لكوني كنت أضع الرجل في مكانة عظيمة وكنت حقيقة أفاخر به لما لمست فيه من ايجابيات قل نظيرها في غيره، وقد عشت مع الرجل أياماً جميلة في مدينة الفاشر عندما كان والياً لدارفور الكبرى، آنذاك وقد رافقته في مناسبات عديدة وأهمها تسليم  مهام حكم الولاية إلى ثلاث ولاة جُدد عندما تم تقسيم الولاية إلى ثلاثة ولايات شمال دارفور وغرب وجنوب دارفور، قد تعودت على قضاء الأمسيات معه في قصره وكنت لا أضيع فرصة إلا وثقت  لحركته واجتماعاته ولقاءاته مع زعماء قبائل دارفور وجل المناسبات التي كنت أحضرها هناك، وكان الطيب (سيخة) مصدر ثقة بالنسبة لرئيس الجمهورية في مسؤوليته تجاه ملف دارفور قبل الحرب.

 

ولكن لماذا أفل نجم الطيب (سيخة)..؟؟

 

لهذا الأفول أسباب كثيرة في نظري من بينها ما ذكرته آنفاً (العاطفة الجياشة) نحو أشخاص يلتقي بهم في مسيرته الحياتية ولا يستطع الفكاك منهم ويتعلق بهم شديداً ويتسببون له في مشاكل كثيرة، لكن أهم الأسباب أن الرجل بأي حال من الأحوال بعيداً عن محور مركز الحكم القوي والمتمثل في مجموعة علي عثمان محمد طه، فالطيب (سيخة) شغل نفسه كثيراً بالاستراتيجيات المتعلقة بالجانب العسكري والأمني فيما يتعلق بعلاقة النظام مع المعارضين عسكريين وسياسيين، وكما هو معلوم للجميع أن مركز القوى الحاكمة يتحكم فيه جهابذة مع علي عثمان محمد طه  مثل د.نافع علي نافع  واللواء صلاح قوش ود. عوض الجاز، فمن الطبيعي أن لا يكون للطيب (سيخة) مكان في هذا المحور سيما وانه محسوب على  محور عمر البشير، والذين يعرفون طبيعة محور الحكم يدرك أنهم قد تعودوا على ضرب محور رئيس الجمهورية ببعضهم البعض حتى لا تقوى لهم شوكة تماماً مثل ما فعلوا مع معارضيهم في الأحزاب (ضرب حزب الأمة مبارك الفاضل مع الصادق المهدي) وضرب (الاتحاديين الشريف الهندي مع الميرغني) وساهموا في زعزعة الشيوعيين فخرجت منهم كيانات مختلفة ضد بعضهما البعض.

 

فالطيب إبراهيم محمد خير كان في فترة من الفترات يمثل مشروع (رئيس جمهورية) فللرجل شعبية واسعة وسط السواد الأعظم من الشباب، فالطيب سيخة حركي إسلامي جاء من وسط الطلاب، والرجل خبير عسكري، وأمني، صاحب شبكة من العلاقات قوية جداً مع السياسيين من جهة والعسكريين والأمنيين من جهة آخرى، فما كان يشاركه في هذا الطموح غير علي عثمان محمد طه و د. مجذوب الخليفة، فرحل الثاني وبقى الأول تحميه قوة ضاربة اقتصادية وسياسية وأمنية وعسكرية، وقد أصبح طريقه إلى كرسي الرئاسة مسألة وقت ليس إلا..!!.

 

فالطيب غير كل هذه المواصفات شخصية دبلوماسية من الطراز الفريد ففي عام 1994م عندما التقى الأمير نايف عبد العزيز آل سعود في مؤتمر وزراء الداخلية العرب في تونس، وكانت علاقة البلدين في قمة العداء، والناس لا تنسى حديث المقدم يونس محمود في الإذاعة السودانية عن المملكة العربية السعودية والإساءات البالغة التي وجهها إلى مليكها آنذاك الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود، وأتذكر كنت قريب جداً من الطيب (سيخة) وذكر لي ما دار بينه ووزير الخارجية السعودي، وكيف أن الأمير نايف جلس معه في مقر إقامته في الفندق وتباحث معه على تحسين العلاقات بين البلدين، وفي ذات اللقاء طلب الأمير نايف من الطيب (سيخة) كشفاً باحتياجات السودان بالنسبة لوزارة الداخلية فنزل إلى رغبته وما هي إلا أسابيع قليلة حتى وصلت إلى ميناء بورتسودان باخرة محملة بمئات السيارات والمعدات الأمنية بعد أن طافت بها عدداً كبيراً من الموانئ بهدف التمويه حتى لا يقال أن السعودية تدعم السودان.

 

ما هي قصة الحرس الخاص..!!

 

الطيب سيخة أكثر قادة (الإنقاذ) الذين أطلقت فيهم الإشاعات التي يتداولها  المجتمع بشكل كبير وأهمها إشاعة التي تتعلق بحرسه الخاص ومحتواها يتلخص في أن  الطيب (سيخة) طلب من حرسه الخاص التابعين للشرطة العسكرية للواء السادس الرجوع  إلى مقر قيادتهم في مدينة الفاشر بعد أن انتهت مهمتهم في الخرطوم إلا أن الحرس الخاص رفض الامتثال للأوامر وهدد بكشف أشياء لم يسمونها ، لكن الأمر الواضح أنه استمر وجودهم في العاصمة الخرطوم بل تداول البعض أن الطيب سيخة ساهم في تخصيص بيت لكل منهم والبالغ عددهم 4 أشخاص.

وعلاقة الرجل بحرسه الخاص يمكن أن أقول أنها من أكثر الأسباب التي ساهمت في أفول نجم الطيب سيخة، فالعلاقة كانت غريبة بعض الشئ تجاوزت حدود مهنة الحراسة إلى أماكن أخرى أعتقد أنها سبب وجيه جعل الجهات الرسمية التي تتعامل مع الرجل تنظر إليه بعين الريبة والإخفاق، فحدود العلاقة بين الشخصية القيادية وحرسه الخاص واضحة لا تحتاج إلى منظار دقيق..!!.

 

هناك كراهية شديدة للغاية تجاه الطيب (سيخة) من قبل عدد من العسكريين (الإسلاميين) من بينهم (يونس محمود) وغيره وذلك بسبب الكتاب الذي ألفه آخر أيامه في الفاشر وقد قرأت فقرات منه قبل الطباعة والكتاب باسم (الطريق إلى بور) والكتاب كشف عن فشل السياسة والعقيدة العسكرية للجيش السوداني خاصة في فترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989م) والكتاب نشر اسراراً خطيرة للعمليات العسكرية التي خاضها الجيش ضد الحركة الشعبية في تلك الفترة الأمر الذي أغضب مجموعة من العسكريين وقد رأوا  في إصدار الكتاب إساءة إلى القوات المسلحة السودانية ولتاريخها الطويل، فقاموا بجهود كثيرة جدا لوقف توزيع الكتاب الذي بيع في المكتبات، و نُشرت منه حلقات في بعض الصحف اليومية.

وفي الخرطوم الآن أحاديث كثيرة تقول أن الجهات الرسمية قد طلب من الرجل الرحيل من منزله الحكومي لأن شركة إماراتية اشترت كل المنطقة الواقعة فيها بيوت قيادات النقل النهري وهذه البيوت كانت سكن الحاكم العام الانجليزي قبيل الاستقلال، ومن ضمن ما يقال حالياً أن الرجل قبض مبلغاً ضخماً لترك المكان لكنه رفض وتعنت، فيما أخلى كل السكان منازلهم ومن ضمنهم مصطفى عثمان إسماعيل، وآخرين.

 

لقاء د. خليل إبراهيم (قائد العدل والمساواة)

 

لكنني استغربت كثيراً لإبعاد الرجل عن ملف دارفور وهو الذي يمتلك علاقات حميمة للغاية مع قبيلتي الفور والزغاوة الأمر الذي جعلهم يُكنون له محبة خاصة وكانت بينهم وبينه مساجلات وبرامج ولقاءات عامة وخاصة، وعندما كان ولاياً لدارفور تعلم لغة (الفور) القبيلة الأكثر انتشاراً وتأثيراً في المنطقة، وأيضا اشتهر الطيب (سيخة) بحب الناس له في دارفور وخاصة الذين ارتبطوا بالإعلام الشعبي وأتذكر كنت مرافقا للرجل عندما ضربت الأمطار مدينة الفاشر وتأثر الناس هناك تأثيراً شديداً وكان برفقتنا رجل البر والإحسان الفقيد أدم يعقوب ضمن وفد رسمي كبير وذلك في العام 1997م فالزيارة كانت جولة تفقدية للمناطق التي تأثرت بغزارة الأمطار وكانت من ضمن المستقبلين الحكامة المشهورة خديجة أم رطوط التي أرادت تسليم رسالة عفوية لرئيس الجمهورية وبينت من خلالها المآسي التي حدثت في دارفور بعد انتهاء ولاية الطيب سيخة فقالت بعفوية شديدة وبصوت جميل مموسق:

 

"الطيب أبو فليجة .. كلم أبو رقيبة،، خليهو يكلم أبو صليبة ويقول ليهو دارفور الحالة صعيبة"

 

وطبعا العبارات واضحة أبو فليجة هو الطيب إبراهيم محمد خير،وأبو رقيبة تقصد الزبير محمد صالح، وابوصليبة تقصد الرئيس البشير.. وأهل دارفور دائما كانت رسائلهم قصيرة ومختصرة وواضحة المعالم والقرض بدون لف ولا دوران.

 

وعندما حضرنا للخرطوم بعد مشاركتنا في الحملة العسكرية الخاصة بالرد على (الأمطار الغزيرة) على طريق نمولي طلب مني الطيب إبراهيم محمد خير الذهاب إلى د. خليل إبراهيم (زعيم حركة العدل والمساواة حالياً) وزير الصحة بولاية شمال دارفور آنذاك و الإتيان به في مكتبه بوزارة العمل والإصلاح الإداري، بالفعل ذهبت للدكتور خليل وأتيت به، وأتذكر خليل إبراهيم كان لا يزال يرتدي اللبس العسكري وجلسنا مع الطيب سيخة طويلا ودارت نقاشات طويلة وخلال النقاش كان هناك الزميل المصور الصحفي بجريدة (الإنقاذ الوطني) الأخ "مولى" فطلب الطيب من المصور أن يلتقط لنا صورة تذكارية، كان معنا في الصورة شهيد التلفزيون الذي غرق في نهر النيل أخي العزيز الذي نكبت بفقده طيب الذكر الزميل مهيد بخاري  (عليه الرحمة والغفران) وذهبت إلى عملي وتركت الطيب  مع ضيفه وعرفت في اليوم الثاني أن الأول أصر على الثاني الذهاب معه إلى البيت لتناول الغداء وبعد فترة قابلت د.خليل إبراهيم الذي أكد لي أنه والطيب إبراهيم تناقشا في أمور عدة من بينها مشكلة دارفور التي لم تكن في حينها معروفة لدى عامة الناس، لكن كانت هناك مطالبات مستمرة من أبناء دارفور إلى القائمين على الأمر في الخرطوم.

 

لكنني أتوقع أن يكون ابعاد الطيب سيخة تم بسبب تدخله في السياسة الإعلامية للحكومة فهو كثير النقد لسياساتها في التعامل مع الإعلام والصحافة، وأتذكر عندما كان الطيب سيخة يجتمع أسبوعيا بعدد كبير من الصحفيين الكبار والمؤثرين ويتبادل معهم الأفكار والمعلومات، وحينما وجد الرجل أن هذه اللقاءات قد أثمرت نتائج مُقدرة، قام بتأسيس مجلس إعلامي منوط به رسم السياسات الإعلامية لوزير الإعلام، وعندما تم تعيين الرجل في وزارة أخرى تعطل عمل المجلس الإعلامي، ولم يعد أحد يلتقي بالصحفيين والإعلاميين.

كما يمكننا أن نقول إن اختفاء الطيب إبراهيم محمد خير عن الأضواء يأتي في إطار الخلافات الحادة بين الحاكمين في الخرطوم وفي سياق تصفية الحسابات والتي أتوقع أن تظهر على سطح الأحداث في الفترة المقبلة.

قد يقول قائل لم كل هذا المقال عن الطيب (السيخة)  والرجل مُتهم في قضايا حقوق إنسان عديدة من بينها مقتل د. علي فضل الذي مات أثر تعذيب تعرض له في معتقله في العام 1990م، لكن أقول أن جل قادة النظام متهمين في قضايا من هذه الشاكلة التي تعدت مقتل المعارضين المحليين إلى مقتل رؤساء دول والإطاحة بأنظمة حكم، وإبادة شعب، لكن عندما نكتب فإننا نكتب للتأريخ وللأجيال القادمة من أجل الحفاظ على الدماء الجديدة حتى لا تقع فيما وقعنا فيه نحن،،، ونسال الله العفو والعافية.