Free Web Hosting Provider - Web Hosting - E-commerce - High Speed Internet - Free Web Page
Search the Web

 

النائب الأول هل حانت ساعة  الرحيل ..!!؟؟

عثمان ميرغني

في ليلة "خرطومية" أمس الأول "الخميس " جلسنا في منزل المستشار الإعلامي المصري بالخرطوم إلى الصحفي المصري الشهير "مكرم محمد أحمد" رئيس مجلس إدارة دار الهلال المصرية . و كان طبيعياً أن تكون العلاقات المصرية السودانية أشهى طبق يقدم بين يدي الحوار العفوي مع الصحفي المصري الكبير و المقرب من الرئيس المصري و مراكز صنع القرار المهمة في مصر .
و بينما كان "مكرم" يرد على بعض الأسئلة بدبلوماسية و هدوء ، خاصة التي تتعلق برأي مصر في إتفاق "مشاكوس" و تحفظاتها حول "حق تقرير المصير" لأبناء جنوب السودان سألته بصورة مباشرة عن السبب الحقيقي في رفض الرئيس المصري حسني مبارك استقبال النائب الأول لرئيس الجمهورية في زيارته الأخيرة إلى القاهرة و توقعت أن يمدد أسلوبه الدبلوماسي إلى متن هذه الإجابة و يسرد الأعذار الرسمية التي قيلت لتبرير الأمر ، لكنه على عكس ذلك تماماً انفعل وهو يرد عليّ مستنكراً "هل تريد من الرئيس مبارك أن يستقبل من رعى المحاولة التي استهدفته" ؟

و لكي أحصل على تأكيد أكبر في إجابته رددت عليه متسائلاً مرة أخرى "هل ذلك هو تفسيرك للأمر ، أم أنه الحقيقة الرسمية" فازداد إنفعاله وهو يرد مرة اخرى "تلك هي الحقيقة الرسمية ، و يدهشني ألا تكون على علم بها" !!
إجابة الصحفي الكبير "مكرم " و بمثل هذه الصراحة تحول كل التحليل الذي قلناه هنا أكثر من مرة ، إلى "علم اليقين" فهو ليس مجرد صحفي مهم في مصر ، بل ربما أحد صناع القرار في مصر من موقعه الكبير في السلطة الرابعة
.
كتبت هنا تحليلاً لهذا الأمر و قلت إن رفض إستقبال الرئيس المصر للنائب الأول ، ثم مقابلته في اليوم التالي لمبعوث الرئيس البشير مهدي إبراهيم وزير الإعلام "حينها" يعطي إشارة واضحة إلى أن موقف الرئيس مبارك "شخصي" مباشر ضد النائب الأول ، و أنه لا شئ يفسر ذلك سوى الإتهامات المكنونة في صدور الملفات الأمنية المعلقة بين البلدين و التي تتهم فيها مصر صراحة النائب الأول بأنه كان - على أقل تقدير - على علم بالتخطيط لمحاولة إغتياله في شوارع أديس أبابا عام 1995عندما كان الرئيس مبارك في طريقه لحضور جلسات مؤتمر القمة الأفريقي .
لكن يبقى السؤال الأهم ، و لماذا استقبل الرئيس مبارك النائب الأول علي عثمان محمد طه في زياراته السابقة للقاهرة ، و التي احتفت فيها مصر به و بدا و كأنما تتجاهل أو تتغافل عن إتهامها السابق له . إذاً من الحكمة هنا قراءة التوقيت بصورة دقيقة قبل قراءة الحدث نفسه . و لأدلل لك - عزيزي القارئ - على خطورة توقيت الحدث و ما يتوقع أن يؤدي إليه من مالآت ، راجع معي هذه الخلفية (فلاش باك) للأحداث .
"
الإستراتيجية" المزعومة
...!!

عندما أنفرجت أسارير العلاقات المصرية السودانية بعد إطاحة الرئيس البشير بشيخه الدكتور حسن الترابي في 12 ديسمبر/ كانون الأول 1999م بدا و كأن البلدين في طريقهما لتعويض ما ضاع من زمن في الخصومة البائنة و نشطت الزيارات المتبادلة بين البلدين و بدأت تصعد إلى الإعلام الرسمي العبارات التقليدية التي تتحدث عن العلاقات الأزلية و التاريخية بين البلدين . و فجأة برز بشكل "مستثار" قوي إلى واجهة الإعلام و السوداني بالتحديد حديث متكرر عن "إستراتيجية زراعية" بين البلدين..
هذه الإستراتيجية "المزعومة" كانت في شكلها الرسمي تبدو مبادرة سودانية في حضن وزارتي الزراعة في البلدين ، و كان يمكن فهمها ببراءة لو ان في منصب وزير الزراعة في السودان رجلاً آخر غير د. مجذوب الخليفة .
بقدر ما كان الإعلام - خاصة في الخرطوم - يضج بالحديث عن هذه الإستراتيجية بإعتبارها الوصفة السحرية لإعادة شباب العلاقات بين البلدين ، بقدر ما فشل هذا الإعلام في الإشارة إلى تفاصيل هذه الإستراتيجية .
بذلت من جانبي - آنذاك- جهداً كبيراً للحصول على نسخة من هذه الإستراتيجية و بعد طول مكابدة في أروقة وزارة الزراعة في السودان حصلت على ورقة غريبة مثيرة للدهشة علقت عليها في حينها في مقال صحفي و قلت إن هذه الورقة هي اي شئ إلا "إستراتيجية" . فليس فيها من هذا المصطلح "إستراتيجية" إلا الإسم الذي كتب على غلافها . فهي "لا استراتيجية ولا يحزنون" على حد التعبير الذي اختتمت به مقالي حينها بل مجرد ورقة كتبت على عجل لإفتعال تحالف سياسي بين جناح من الحكومة في السودان و مصر في خضم الحرب الباردة التي كانت تدور بين أجنحة الحكومة في السودان . فمن مجمل الصورة التي ظهرت بها هذه الإستراتيجية من خلال زيارة رنانة إعلامياً قام بها وزير الزراعة السوداني مجذوب الخليفة إلى القاهرة و إجتمع فيها غلى رصيفه د. يوسف والي ، كان الأمر يبدو محاولة تحالف سياسي من "مجذوب الخليفة" ليستقوي بها في موقف نده النائب الأول علي عثمان محمد طه الذي كان قد نجح لتوه في الإطاحة بنفوذ مجذوب الخليفة .
و كان مجذوب الخليفة والياً على ولاية الخرطوم ، و يطلق عليه الشعب السوداني من باب التحليل الشعبي لقوة نفوذه أنه "والي يعمل بماكينة رئيس جمهورية" ... و لم يكن أحداً يتصور أنه سيخرج من منصبه هذا إلا إلى الأعلى ربما سيكون نائباً للرئيس أو رئيساً في المستقبل ، لكن المفاجأة الكبرى كانت في التعديل الوزاري الذي خرج فيه "مجذوب" من مكتبه الحصين في ولاية الخرطوم إلى وزارة الزراعة ، وهي وزارة في العرف الرسمي تترك إما
للأكاديمين غير الناشطين سياسياً أو السياسيين المطلوب تهميش دورهم و الإحتفاظ بهم في مناصب شرفية بعيداً عن النفوذ . (كما فُعل بالدكتور نافع علي نافع الذي كان رئيساً لجهاز الأمن فأبعد إلى وزارة الزراعة) .
ربما ظن "مجذوب الخليفة" أن الحكومة المصرية سيكون لها تحفظ "كبير" على أية علاقات مشتركة بين السودان و مصر عبر النائب الأول الذي تتهمه مصر في محاولة إغتيال رئيسها ، و ربما افترض بذلك أن الدور المصري في السودان يحتاج إلى "رجل" آخر غير النائب الأول ليكون مركز الثقل الذي ترتبط به "إستراتيجية" العلاقات بين البلدين و تسنح بذلك الفرصة لمجذوب الخليفة للإلتفاف حول (نده) النائب الأول عن طريق القاهرة . لكن كل ذلك تمت الإطاحة به - بذكاء- بتدبير مضاد أعاد القوة إلى مركز النائب الأول . فقد حدث فجأة و دون مقدمات أن أعلن عن ترفيع اللجنة الوزارية بين مصر و السودان لتصبح لجنة "عليا" .. وهي عبارة تعني بروتوكولياً أن مستوى التمثيل في رئاستها يجب أن يرفع إلى مستوى النائب الأول في السودان يقابله رئيس الوزراء في مصر . و كانت ضربة أخرى ضد مجذوب الخليفة و نصراً جديداً للنائب الأول الذي ضرب عصفورين بحجر واحد فقد أصبحت مصر في كفة ميزانه السياسي في مواجهة فريق "مجذوب الخليفة" و أزال هواجس الملف الأمني الثنائي بين البلدين من آثار إتهامات إغتيال الرئيس مبارك . لقد بدا و كأن مصر قد تناست فاتورة "حادثة محاولة الإغتيال" و لكن اتضح لاحقاً انها أرادت فقط تأجيل سدادها و ربما بالتقسيط .

قوية .. و لكنها ضعيفة
..!!

قد يذكر القارئ الكريم أنني كتبت هنا قبل حوالي عام تقريباً أن الحكومة في السودان قوية "جداً" لكنها ضعيفة أيضاً . و ذكرت حيثيات لذلك أن الحكومة قوية لأنها تمثل تحالفاً بين المؤسسة العسكرية بكل جبروتها و قوتها و تماسكها و فصيل سياسي نشط و يحوز على كوادر حركية مقتدرة و سريعة الإيقاع و الحركة هي "الحركة الإسلامية" ، فهي مزيج من القوة و السياسة . لكن النظام ضعيف أيضاً لأن هذا التحالف يقوم على "مفاصل ضعيفة تعتمد على الأفراد" و ليس المؤسسات . فالبشر يمثل المؤسسة العسكرية ، و نائبه الأول علي عثمان يمثل الجناح السياسي المدني . و بينهما تلتحم كثيراً من مفردات هذا التحالف ، لكنه إلتحام "شخصي" يتمدد عبر الإتصال السياسي الموزون بين الأفراد في كلا المؤسستين العسكرية و المدنية .
و قلت حينها في ذلك التحليل أن اية ضربة توجه مباشرة إلى أي من المؤسستين العسكرية و المدنية سوف لن تؤثر على إستقرار الحكم (كما حدث في العام 1997عندما اخترقت حدود السودان ثلاث دول مجتمعة و احتلت المعارضة بهم مناطق شاسعة في السودان و مع ذلك لم تسقط الحكومة بل و لم يهز استقرارها و كانت الحياة تمضي في الخرطوم و كأن شيئاً لم يحدث) .
و لكن المشكلة ستكون في الضربة - أي الضربة - تستهدف المفصل الرابط بين هاتين المؤسستين . وهي مفاصل هشة لأنها تتكون من أفراد لا مؤسسات
.
و هذا بالضبط ما يحدث الآن !!!
مصر تضغط بثقل واضح على هذا المفصل الهش ، من المؤكد أن علي عثمان "النائب الأول" لم يعد شخصاً مرغوباً فيه من جانب مصر ، و هي عبارة كانت واضحة في غجابة "مكرم محمد أحمد" التي بدأت بها هذا المقال ثم في إستطراده بعد ذلك عندما ذكر أن مصر أبلغت الرئيس البشير صراحة أنها لا ترحب بشخص النائب الأول لا في زيارة مصر ولا في أي شأن مشترك بين البلدين .
لكن النائب الأول بروتوكولياً هو رئيس الجانب السوداني في اللجنة المصرية السودانية العليا المنوط بها رسم سياسات العمل و العلاقات المشتركة ، ولا يمكن أن تحول رئاسة هذه اللجنة إلى "شخص" آخر إلا إذا أصبح هذا الشخص الآخر "النائب الأول" .. أي إلا إذا ذهب علي عثمان إلى موقع آخر . و لكن الموقع الآخر "بعد منصب النائب الأول" لا يمكن أن يكون سوى "الرئيس" وهذا "محال" أو التقاعد و هذا "متاح" .
وقد يكون ذلك تفسير التصريح المفاجئ الذي أدلى به النائب الأول قبل أيام عندما قال أنه مستعد للتضحية بمنصبه في أي وقت إذا كان ذلك فيه مصلحة للسودان .
وهو تصريح يكتسب قوته من أن النائب الأول قاله في المرة الأولى خلف الأبواب المغلقة و مباشرة غلى الرئيس البشير ، ثم بعد ذلك كرره مرة أخرى علناً أمام الإعلام
.
فهل أدرك النائب الأول ، أنه فعلاً أصبح حاجزاً أمام تدفق "نيل" العلاقات الثنائية مع مصر ، و فضل أن يبادر هو بالابتعاد عن مجراه ؟ هذا ما سيظهر في الأسابيع القليلة القادمة .. !!